أبي طالب المكي

33

علم القلوب

وهذا كما حكى في الأثر أن حذيفة وسلمان ، رضى اللّه عنهما ، نزلا على نبطية بالمدائن ، فلما حضرت الصلاة ، قال أحدهما : يا هذه ، هل هنا مكان طاهر نصلى فيه ؟ قالت : طهر قلبك ، وصل حيث شئت ، قال أحدهما لصاحبه : خذ كلمة حكيمة من قلب كافرة . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إذا رأيتم الرجل قد أعطى زهدا في الدنيا وقلة منطق فاقتربوا منه « 1 » ، فإنه يعطى الحكمة » ، فاللّه تعالى قال لنبيه ، عليه السلام : فاسجد واقترب بسجودك إلىّ ، كي أتحفك بالفوائد من عندي ، فإن لك عندي ما تريد » . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اقتربوا من الحكيم ، فإنكم تجدون عنده ما تريدون » . وقال القاسم في قوله عز وجل : اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [ الشورى : 19 ] ، قال : اللطيف من نور قلبك بالهدى ، وربى جسمك بالغذاء ، وأخرجك من الدنيا مع الإيمان بغير بلوى ، ويحرسك وأنت في لظى ، حتى تسمع وترى ، يرزق من يشاء الحكمة والفطنة ، وهو القوى يقوى الفطن ، العزيز عزز عنايته ورعايته ، فلا يبذلها لكل أحد . وقال أبو بكر الوراق : الحكماء خلفاء الأنبياء ، وليس بعد النبوة إلا الحكمة ، وهي أحكام الأمور ، وأول علامات الحكمة طول الصمت ، والكلام على قدر الحاجة . وقال عيسى ، عليه السلام : اليقين حياة الإيمان ، والحكمة نور القلب ، ولا حكمة إلا بيقين ، ولا يقين إلا بالتقوى ، ولا تقوى إلا بالزهد في الدنيا ، ومفتاح ذلك كله التضرع والدعاء ، فكيف يفتح لك باب بغير مفتاح . وقيل : سبعة أشياء لا توجد إلا عند سبعة أصناف من الناس ، فمن وجد ذلك عند غير هؤلاء فهو باطل : الحكمة عند الزاهدين ، والسماع عن العاشقين « 2 » ،

--> ( 1 ) هذا القول يدل على علامة العالم الذي يصلح للإرشاد ؛ لأن آفة العلماء هي الثرثرة في الحديث بالعلم ، وأكثر الناس إشارة إلى اللّه أبعدهم عنه ، وحضرة المعرفة حضرة بهت وسكون ، لا حضرة صياح وثرثرة . ( 2 ) السماع المباح عند الصوفية هو ما كان بالروح لا بالنفس ، وضابط السماع المباح ألا يصحبه اضطراب ، ولا حركة ، ولا صياح ، ولا تدبر للفظ ، ولا للحن ، أما ما نسمعه من بعض المريدين من صياح عند السماع ، فإذا أثر في السامعين هذا الأثر السابق ، فصاحبه صاحب حال صحيح ، وإذا لم يؤثر في السامعين ، فهو مرض عصبى .